تحليلات

إثيوبيا وإريتريا على حافة المواجهة:من التوتر الحدودي إلى صراع النفوذ في القرن الإفريقي

أزمة تتجاوز الخلافات الحدودية

لم يعد احتمال تجدد المواجهة العسكرية بين إثيوبيا وإريتريا مجرد استدعاء لذاكرة الحرب الحدودية التي اندلعت بين البلدين عام 1998، أو اختبارًا لمدى صمود المصالحة التي أُعلنت عام 2018؛ بل أصبح مدخلًا لفهم تحولات أعمق في موازين القوة والأمن في القرن الإفريقي. فالعلاقات بين البلدين، رغم انتقالها من العداء إلى التقارب السياسي والعسكري، لم تستند إلى تسوية شاملة ومستدامة للخلافات التاريخية والاستراتيجية، الأمر الذي جعل المصالحة عرضة للتآكل مع تغير المصالح وتباين التصورات الأمنية.

وتنبع خطورة المرحلة الراهنة من تداخل ثلاث مسارات رئيسية: سعي إثيوبيا إلى توسيع خياراتها للوصول إلى البحر الأحمر، واستمرار هشاشة الترتيبات الأمنية والسياسية في إقليم تقراي، وتراجع الثقة المتبادلة بين أديس أبابا وأسمرا. ويضاف إلى ذلك تنافس إقليمي ودولي متزايد على الموانئ والممرات البحرية ومواقع النفوذ الاستراتيجي.

وعلى هذا الأساس، فإن احتمال اندلاع حرب جديدة لا يمكن تفسيره من خلال الخلافات الثنائية وحدها، بل ينبغي النظر إليه في سياق التفاعل بين الطموحات الجيوسياسية، والاضطرابات الداخلية الإثيوبية، ومخاوف إريتريا الأمنية، وتشابك المصالح الإقليمية. ومن ثم، لا يقتصر السؤال على مدى اقتراب البلدين من المواجهة، بل يمتد إلى العوامل التي قد تدفعهما نحوها، والحدود المحتملة لتصعيدها، والفرص المتاحة لمنع تحول الاحتكاكات المحدودة إلى حرب مفتوحة.

محركات التصعيد ومصادر التوتر

البحر الأحمر: بين الضرورات الإثيوبية ومخاوف السيادة الإريترية

يمثل التحول في التصور الإثيوبي للأمن البحري أحد أبرز مفاتيح فهم التوتر مع إريتريا. فمنذ استقلال إريتريا عام 1993، أصبحت إثيوبيا دولة حبيسة تعتمد بدرجة كبيرة على الموانئ الأجنبية، وفي مقدمتها ميناء جيبوتي، لتأمين جانب رئيسي من تجارتها الخارجية. ومع تنامي ثقلها السكاني والاقتصادي وطموحاتها الإقليمية، اكتسب الوصول إلى البحر أهمية تتجاوز الاعتبارات التجارية، ليصبح جزءًا من النقاش المتعلق بمكانة الدولة وقدرتها على حماية مصالحها الاستراتيجية.

غير أن جوهر الإشكال لا يكمن في رغبة إثيوبيا في تنويع منافذها البحرية، بقدر ما يرتبط بطبيعة الترتيبات التي تسعى إلى تحقيق ذلك من خلالها. فهناك فارق جوهري بين الحصول على تسهيلات تجارية أو استئجار مرافق مينائية بموجب اتفاقات رضائية، وبين السعي إلى ترتيبات ذات طبيعة سيادية أو عسكرية يمكن أن تمس حسابات الأمن القومي للدول الساحلية.

وفي هذا السياق، تتجاوز أهمية ميناء عصب الإريتري وظيفته الاقتصادية، ليصبح نقطة تقاطع بين المصالح الإثيوبية والمخاوف الإريترية. فمن منظور أديس أبابا، يمكن أن يمثل الوصول إلى الموانئ الإريترية خيارًا لتقليل الاعتماد على منفذ بحري واحد. أما من منظور أسمرا، فإن أي تحرك إثيوبي لا يقوم على اتفاق واضح ومحترم للسيادة قد يُفسر باعتباره محاولة لإعادة تشكيل البيئة الأمنية المحيطة بها.

وقد تناول تحليل نشره معهد تشاتهام هاوس في نوفمبر 2025 التوترات المرتبطة بالوصول الإثيوبي إلى البحر الأحمر، وما تثيره من مخاوف إريترية وإقليمية. وتكشف هذه المسألة أن التنافس لا ينحصر في العلاقة بين البلدين، بل يتصل أيضًا بحسابات دول أخرى ترى في أي تغيير في الترتيبات البحرية انعكاسًا محتملًا على توازنات المنطقة.

ومع ذلك، لا تجعل هذه التباينات المواجهة العسكرية حتمية. فالمعضلة الأساسية تتمثل في قدرة الطرفين على الفصل بين المصالح التجارية الإثيوبية والحقوق السيادية الإريترية، وتطوير ترتيبات تفاوضية تتيح تنويع المنافذ البحرية من دون تحويلها إلى اختبار للإرادة الوطنية أو مدخل إلى فرض الأمر الواقع.

إقليم التقراي: بؤرة الاحتكاك بين النزاع الداخلي والأمن الإقليمي

إذا كان البحر الأحمر يمثل البعد الاستراتيجي طويل الأمد في الأزمة، فإن إقليم تقراي يشكل إحدى أبرز نقاط الاحتكاك المباشر بين البلدين. فعلى الرغم من اتفاق بريتوريا الموقع في نوفمبر 2022، والذي وضع حدًا للعمليات القتالية الواسعة في حرب تقراي، ظلت تسوية عدد من القضايا السياسية والأمنية والإقليمية غير مكتملة، بما في ذلك النزاعات على الأراضي، ومستقبل الترتيبات الأمنية، وإعادة بناء المؤسسات المحلية، ومعالجة آثار الحرب الإنسانية.

وتزداد حساسية هذا الملف لأن إريتريا لم تكن طرفًا في اتفاق بريتوريا، رغم مشاركتها العسكرية في الحرب إلى جانب القوات الحكومية الإثيوبية خلال مراحل منها. وبذلك بقيت بعض المخاوف الأمنية الإريترية، إلى جانب التفاعلات السياسية والعسكرية المحيطة بالإقليم، خارج إطار تسوية مباشرة بين أديس أبابا وأسمرا.

وتشير التطورات الواردة في تقارير سبتمبر 2026 إلى تجدد القتال بين القوات الحكومية الإثيوبية وقوات مرتبطة بجبهة تحرير شعب تقراي، بالتزامن مع تصاعد التوترات الداخلية وتشكّل تحالفات بين جماعات مسلحة مناوئة للحكومة الفيدرالية شكلت تحالفا أطلقت عليه تحالف البقاء. كما أوردت تقارير صحفية اتهامات بوجود دعم إريتري للقوى المناهضة لأديس أبابا، وهي اتهامات تنفيها أسمرا.

وتكمن خطورة هذا الوضع في إمكانية تشكل دائرة من التصعيد المتبادل: فقد تفسر الحكومة الإثيوبية أي دعم خارجي محتمل للجماعات المسلحة باعتباره تدخلًا مباشرًا في شؤونها الداخلية، فترد بإجراءات عسكرية أو أمنية؛ بينما قد تنظر إريتريا إلى تلك الإجراءات بوصفها تمهيدًا لاستهدافها، فتتخذ تدابير مضادة تزيد من حدة التوتر.

ولا يشترط هذا المسار أن يتخذ أي من الطرفين قرارًا مسبقًا بخوض حرب شاملة. فقد يبدأ التصعيد بحادث حدودي أو ضربة عسكرية محدودة أو تحرك تبرره إحدى القيادتين باعتبارات الدفاع الوقائي، ثم تتسع المواجهة تدريجيًا بفعل ردود الفعل المتبادلة وصعوبة احتواء الأحداث ميدانيًا.

تآكل المصالحة وأزمة الثقة المتبادلة

أثبت التقارب الذي بدأ عام 2018 أن الخصومة الإثيوبية الإريترية ليست مسارًا ثابتًا لا يمكن تغييره. لكنه كشف أيضًا أن التقارب السياسي، مهما بلغت أهميته، لا يكفي لمعالجة التناقضات الاستراتيجية ما لم يستند إلى مؤسسات للتشاور، وآليات لتسوية الخلافات، وضمانات تحد من مخاطر سوء التقدير.

فقد انتقلت العلاقات من العداء إلى التعاون، ثم تدهورت مجددًا في أعقاب حرب تقراي الماضية، مع تصاعد الخلاف بشأن الوصول إلى البحر الأحمر وتزايد الاتهامات بالتدخل في الشؤون الداخلية. وفي 8 فبراير 2026، اتهمت إثيوبيا إريتريا بالقيام بأعمال عدائية ودعم جماعات مسلحة داخل أراضيها، وفقًا لتقارير تناولت الأزمة، فيما ظلت أسمرا تنفي اتهامات التدخل الموجهة إليها.

وتكمن خطورة هذا التدهور في أن أزمة الثقة لا تقتصر على الخلاف حول الوقائع، بل تمتد إلى تفسير النيات. فعندما يصبح كل تحرك عسكري أو دبلوماسي قابلًا للتأويل باعتباره جزءًا من خطة عدائية، تتراجع فرص التسوية، حتى عندما لا يكون أي من الطرفين مستعدًا لتحمل تكاليف حرب طويلة.

وعليه، لم تعد الأزمة محصورة في مسائل الحدود والموانئ، بل باتت مرتبطة أيضًا بكيفية إدراك كل دولة لمصادر التهديد، وبقدرتها على التمييز بين الاستعداد للدفاع والاستعداد للهجوم. وفي بيئة كهذه، قد تتحول التدابير التي يتخذها أحد الطرفين لتعزيز أمنه إلى مصدر إضافي لانعدام الأمن لدى الطرف الآخر، بما يخلق معضلة أمنية يصعب احتواؤها من دون قنوات اتصال وضمانات متبادلة.

 التطورات الراهنة واحتمالات الانتقال إلى المواجهة المباشرة

تكتسب المخاوف من تجدد الحرب أهمية إضافية في ضوء التطورات الميدانية التي تناولتها تقارير حتى 9 أكتوبر 2026. فقد أشارت تقارير صحفية عديدة إلى اتهام إثيوبيا القوات الإريترية بالتوغل داخل أراضيها لمسافة تصل إلى 60 كيلومترًا في بعض المناطق الشمالية، ووصفت أديس أبابا تلك التحركات بأنها عدوان يستوجب الدفاع عن النفس. وفي المقابل، رفضت أسمرا الرواية الإثيوبية، واتهمت الحكومة الإثيوبية بالسعي إلى إشعال حرب جديدة تحت غطاء المطالبة بالوصول إلى البحر الأحمر.

كما تحدثت تقارير استندت إلى شهادات ومعلومات من جهات معنية برصد النزاعات عن وجود قوات إريترية في مناطق من شمال إثيوبيا، وعن ضربات جوية إثيوبية استهدفت مواقع أو آليات إرترية. غير أن هذه المعلومات، على أهميتها، تستدعي التمييز بين ما أمكن الإبلاغ عنه ميدانيًا وبين الاتهامات المتعلقة بمسؤولية كل طرف عن بدء التصعيد وأهدافه ونطاقه.

وتكمن الدلالة الأهم لهذه التطورات في اتساع الفجوة بين الأزمة السياسية واحتمال الاشتباك المباشر. فحين تتزامن التحركات العسكرية مع تصاعد الخطاب العدائي وتراجع العلاقات الدبلوماسية، تصبح إدارة الحوادث الميدانية أكثر صعوبة، خصوصًا في غياب قنوات اتصال موثوقة تسمح بالتحقق السريع من الوقائع ومنع ردود الفعل المتسرعة.

ومع ذلك، ينبغي عدم مساواة ارتفاع مخاطر المواجهة بحتمية اندلاع حرب شاملة. فالتطورات الميدانية قد تدفع الطرفين إلى التصعيد، لكنها قد تخلق أيضًا حوافز للتهدئة إذا أدركت القيادتان أن استمرار العمليات المحدودة يحمل مخاطر تجاوز السيطرة، ويفتح الباب أمام استنزاف عسكري واقتصادي يصعب احتواؤه.

وبناءً على ذلك، فإن المسألة الحاسمة ليست وجود أسباب كافية للتوتر، بل قدرة الطرفين على منع الاشتباكات المحدودة من التحول إلى مواجهة مفتوحة، في ظل تداخل النزاع الحدودي مع الصراعات الداخلية الإثيوبية.

هل تبقى الحرب محصورة بين إثيوبيا وإريتريا؟

لا يمكن تقدير تداعيات أي مواجهة محتملة بمعزل عن الموقع الجيوسياسي للقرن الإفريقي، الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن ويشرف على ممرات بحرية حيوية للتجارة الدولية. كما تتقاطع في المنطقة مصالح دول الخليج ومصر وتركيا والولايات المتحدة، إلى جانب قوى دولية أخرى، ما يجعل أي تصعيد واسع موضع اهتمام يتجاوز طرفيه المباشرين.

ويمكن تصور امتداد الأزمة عبر ثلاثة مستويات مترابطة:

  1. المستوى الداخلي الإثيوبي: قد تؤدي الحرب الخارجية إلى زيادة الضغط على القدرات العسكرية والموارد الحكومية، وتعقيد إدارة النزاعات القائمة في تقراي وأمهرا والعفر ومناطق أخرى. وقد تستفيد بعض الجماعات المسلحة من اتساع نطاق العمليات وتشتت الاهتمام الحكومي، بما يضعف فرص التسوية الداخلية ويزيد من صعوبة استعادة الاستقرار.
  2. المستوى الإقليمي: قد تدفع المواجهة دول الجوار إلى إعادة تقييم حساباتها الأمنية وتحالفاتها، أو تعزيز انتشارها العسكري تحسبًا لامتداد الاضطرابات. كما يمكن أن تتحول الموانئ وخطوط الإمداد والتسهيلات اللوجستية إلى أدوات ضغط متبادل، حتى من دون انخراط مباشر في القتال.
  3. المستوى الدولي: قد تحفز أهمية البحر الأحمر والممرات البحرية القوى الخارجية على التدخل دبلوماسيًا لمنع اتساع الحرب. لكن تباين مصالح هذه القوى قد يعقد جهود الوساطة، خصوصًا إذا ارتبطت الأزمة بالتنافس على الموانئ والقواعد العسكرية والنفوذ الاستراتيجي.

وتتضاعف حساسية هذه المستويات بسبب تزامن الأزمة المحتملة مع الحرب في السودان، والخلافات الإثيوبية المصرية بشأن مياه النيل، والتوترات المتعلقة بالصومال وأرض الصومال. فهذه الملفات لا تعني بالضرورة نشوء تحالفات عسكرية متقابلة، لكنها تجعل البيئة الإقليمية أكثر عرضة للتأثر بأي اضطراب كبير في العلاقات الإثيوبية الإريترية.

وفي المقابل، قد تدفع المصالح الاقتصادية المشتركة، والمخاوف من اضطراب الملاحة، واحتمالات تدفق اللاجئين وتفاقم الأوضاع الإنسانية، أطرافًا إقليمية ودولية إلى الضغط من أجل التهدئة. ومن ثم، فإن اتساع دائرة المصالح المتداخلة قد يمثل عاملًا للتصعيد من جهة، وحافزًا للوساطة واحتواء الأزمة من جهة أخرى.

حسابات الطرفين وحدود القدرة على الحسم

لا يمكن اختزال مسار الأزمة في قرارات القيادتين الإثيوبية والإريترية وحدهما، فكل منهما يتحرك ضمن بيئة داخلية وإقليمية تفرض قيودًا على خياراته وتزيد كلفة المغامرة العسكرية.

بالنسبة إلى إثيوبيا، يرتبط الوصول إلى البحر الأحمر بطموحات اقتصادية واستراتيجية وبالسعي إلى توسيع هامش استقلالها في إدارة تجارتها الخارجية. غير أن تعدد بؤر النزاع الداخلي يفرض ضغوطًا على الموارد والقدرات العسكرية، وقد يجعل فتح جبهة خارجية جديدة عاملًا إضافيًا في تعقيد إدارة الدولة وأمنها الداخلي.

أما إريتريا، فتنظر إلى سيادتها على أراضيها وموانئها، وفي مقدمتها عصب، باعتبارها جزءًا أساسيًا من أمنها القومي. وقد يدفعها إدراك وجود تهديد مباشر إلى تعزيز استعداداتها العسكرية، إلا أن الانخراط في حرب مطولة ينطوي بدوره على مخاطر اقتصادية وأمنية وإنسانية، لا سيما في ظل محدودية الموارد وتعدد التحديات المحيطة بها.

ولا يعني التفاوت في الحجم السكاني أو الاقتصادي بين البلدين أن حسم المواجهة سيكون سهلًا أو سريعًا. فالجغرافيا الحدودية وطبيعة التضاريس والقدرة على الإمداد وتحمل كلفة الحرب، فضلًا عن احتمال تعدد الجبهات، كلها عوامل تؤثر في مسار العمليات ونتائجها. كما أن تحقيق مكاسب ميدانية لا يضمن بالضرورة القدرة على تحويلها إلى تسوية سياسية مستقرة.

وقد تنتهي جولة من القتال بتغيير في خطوط السيطرة، لكنها قد تترك وراءها خصومة أعمق، وحدودًا أكثر عسكرة، ومخاطر أكبر لتجدد المواجهة. لذلك، فإن السؤال الأكثر أهمية ليس أي الطرفين يستطيع توجيه الضربة الأولى أو تحقيق مكاسب أولية، بل مدى قدرة أي منهما على فرض نهاية سياسية للصراع بشروط يستطيع الطرف الآخر قبولها أو التعايش معها.

مسارات احتواء الأزمة ومنع الحرب الشاملة

يتطلب منع التصعيد الانتقال من الدعوات العامة إلى السلام إلى إجراءات عملية تستهدف مصادر الخطر المباشرة، وتعالج في الوقت نفسه جذور الخلافات الاستراتيجية. ويمكن تحديد خمس مسارات متكاملة لذلك:

وقف التصعيد الميداني واستعادة قنوات الاتصال

تتمثل الأولوية العاجلة في منع تكرار الضربات والتوغلات والاشتباكات الحدودية. ويتطلب ذلك تفاهمًا واضحًا بشأن وقف العمليات عبر الحدود، والتحقق من مواقع القوات وحركتها، وإنشاء قناة اتصال عسكرية طارئة تسمح بتبادل المعلومات والتعامل السريع مع الحوادث.

وينبغي أن يترافق ذلك مع التزام بحماية المدنيين، وعدم استهداف المناطق السكنية، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، ووضع آلية موثوقة للتحقق من الادعاءات المتعلقة بخرق التفاهمات. فغياب التحقق المستقل يترك المجال مفتوحًا أمام توظيف الحوادث ميدانيًا وسياسيًا لتبرير مزيد من التصعيد.

فصل الوصول التجاري إلى البحر عن مسألة السيادة

يمكن البحث عن ترتيبات طويلة الأجل تتيح لإثيوبيا تنويع منافذها البحرية، سواء عبر اتفاقات تجارية أو استئجار مرافق لوجستية أو تطوير البنية التحتية التي تربطها بالموانئ القائمة. وينبغي أن تستند هذه الترتيبات إلى موافقة الدول المعنية، واحترام سيادتها، وتحديد الحقوق والالتزامات بصورة صريحة.

ولا يقتضي الحل المستدام أن تتخلى إثيوبيا عن مصالحها الاقتصادية، كما لا يفرض على إريتريا قبول ترتيبات تمس سيادتها. بل يتطلب إيجاد صيغة تفاوضية تفصل بين متطلبات الوصول التجاري وأي مطالب ذات طبيعة عسكرية أو سيادية، مع توفير ضمانات متبادلة تحول دون استخدام الاتفاقات الاقتصادية وسيلة للضغط السياسي.

معالجة تداعيات حرب التقراي

لا يمكن بناء استقرار مستدام على الحدود إذا ظلت جذور النزاع في تقراي دون معالجة. ومن الضروري دعم تنفيذ اتفاق بريتوريا، ومعالجة القضايا الإقليمية المتنازع عليها، وتطوير ترتيبات أمنية تمنع استخدام أراضي أي من البلدين منصة لعمليات تهدد أمن الآخر.

كما ينبغي ألا تقتصر التسوية على التفاهمات بين الحكومتين، بل يجب أن تشمل حماية المدنيين، وإعادة الإعمار، ومعالجة النزوح، ودعم المسار السياسي المحلي. فاستمرار الهشاشة في الإقليم يبقي أحد أهم منافذ انتقال التوتر الداخلي إلى مواجهة إقليمية مفتوحة.

إطلاق وساطة إقليمية بضمانات قابلة للتحقق

يمكن للاتحاد الإفريقي توفير الإطار السياسي الإفريقي للوساطة، مع الاستفادة من دور الأمم المتحدة والشركاء الإقليميين القادرين على التواصل مع الطرفين. لكن نجاح الوساطة لن يتوقف على عقد الاجتماعات وإصدار البيانات، بل على إنشاء آليات للتحقق من الالتزامات، وتحديد المسؤوليات عن خرق التفاهمات، وتقديم حوافز سياسية واقتصادية تشجع على الالتزام بالتسوية.

ويقتضي ذلك أيضًا تجنب اختزال الأزمة في خلاف على الوصول إلى البحر الأحمر، لأن معالجة هذا الملف وحده لن تكون كافية ما دامت الاتهامات الأمنية المتبادلة والصراعات الداخلية وقضايا الحدود دون تسوية.

بناء إطار إقليمي للأمن البحري

على المدى البعيد، لن يكفي احتواء الأزمة الثنائية إذا استمرت المنافسة على الموانئ والقواعد العسكرية والممرات البحرية من دون قواعد متفق عليها. ومن ثم، يمكن الدفع نحو حوار إقليمي يضم الدول الساحلية والدول الحبيسة المعنية، بهدف تطوير ترتيبات تجارية وأمنية تستند إلى القانون الدولي، وتحد من احتمالات تحول المصالح الاقتصادية إلى نزاعات على السيادة.

فالأمن البحري لا يتحقق بمجرد امتلاك الموانئ أو تعزيز الحضور العسكري، بل يرتبط أيضًا باستقرار الدول المحيطة بها، وموثوقية الاتفاقات، ووجود آليات لتسوية الخلافات من دون استخدام القوة. ومن شأن هذا الإطار أن يتيح معالجة المصالح المتعارضة ضمن قواعد مشتركة بدل تركها رهينة موازين القوة والضغوط المتبادلة.

خاتمة:

نافذة الاحتواء قبل اتساع المواجهة

تعكس الأزمة الإثيوبية الإريترية تحولًا يتجاوز الخلافات الحدودية التقليدية إلى تنافس على الأمن والسيادة والمكانة الاستراتيجية في القرن الإفريقي. فإثيوبيا تسعى إلى توسيع خياراتها البحرية وتعزيز دورها الإقليمي، في حين تنظر إريتريا إلى بعض الطروحات الإثيوبية من زاوية حماية سيادتها وموانئها وأمنها القومي. وفي الخلفية، يظل إقليم تقراي وتعدد بؤر الصراع الداخلي الإثيوبي عاملين يزيدان من احتمالات تداخل النزاع الداخلي مع الحسابات الأمنية العابرة للحدود.

وقد رفعت التطورات التي جرت في أكتوبر 2026 مستوى القلق من احتمال الانتقال إلى مواجهة مباشرة، في ظل الاتهامات بالتوغل والضربات الجوية وتدهور العلاقات الدبلوماسية. غير أن هذه المؤشرات، على خطورتها، لا تبرر الجزم بأن الحرب الشاملة أصبحت حتمية، إذ يظل مسار الأزمة مرتبطًا بقرارات الطرفين، وقدرتهما على ضبط استخدام القوة، ومدى استعداد الأطراف الإقليمية والدولية للقيام بدور فعال في احتواء التصعيد.

ويكمن الخطر الأكبر في أن الحرب قد لا تبدأ بقرار معلن ومسبق بخوض مواجهة شاملة، بل نتيجة تراكم خطوات يراها كل طرف دفاعية أو محدودة، بينما يفسرها الطرف الآخر باعتبارها استعدادًا للهجوم. وعندئذ قد يتحول سوء التقدير إلى اشتباك، والاشتباك إلى تصعيد متبادل، ثم إلى حرب يصعب تحديد سقفها أو ضمان نتائجها.

لذلك، فإن الاختبار الحقيقي أمام أديس أبابا وأسمرا لا يتمثل في القدرة على إظهار القوة أو فرض الوقائع الميدانية، بل في تحويل الأزمة الراهنة إلى فرصة لإعادة بناء قواعد العلاقة بينهما على أساس احترام السيادة، وضمان المصالح المشروعة، واستعادة قنوات الاتصال، ومعالجة مصادر التوتر الداخلي والإقليمي.

فإما أن يصبح البحر الأحمر مجالًا لتنظيم المصالح التجارية وتعزيز التعاون الإقليمي، وإما أن يتحول التنافس عليه إلى عامل إضافي لزعزعة استقرار القرن الإفريقي. وبين المسارين، تظل الدبلوماسية الوقائية والضمانات الأمنية المتبادلة الخيار الأقل كلفة والأكثر قابلية للاستدامة، في منطقة لا تحتمل حربًا جديدة تُضاف إلى أزماتها المتراكمة، وتتحمل شعوبها العبء الأكبر من تداعياتها.

 

محمد صالح عمر

مدير المركز الإفريقي للأبحاث ودراسة السياسات

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى